الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

159

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعنى وُضِعَ أسّس وأثبت ، ومنه سمّي المكان موضعا . وأصل الوضع أنّه الحطّ ضدّ الرفع ، ولمّا كان الشيء المرفوع بعيدا عن التناول ، كان الموضوع هو قريب التناول ، فأطلق الوضع لمعنى الإدناء للمتناول ، والتّهيئة للانتفاع . و ( النّاس ) تقدّم في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ في سورة البقرة [ 8 ] . وبكة اسم مكّة . وهو لغة - بإبدال الميم باء - في كلمات كثيرة عدّت من المترادف : مثل لازب في لازم ، وأربد وأرمد أي في لون الرماد ، وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك : أنّ بكة بالباء اسم موضع البيت ، وأنّ مكّة بالميم اسم بقية الموضع ، فتكون باء الجرّ - هنا - لظرفية مكان البيت خاصّة . لا لسائر البلد الّذي فيه البيت ، والظاهر عندي أنّ بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علما على المكان الّذي عيّنه لسكنى ولده بنيّة أن يكون بلدا ، فيكون أصله من اللغة الكلدانية ، لغة إبراهيم ، ألا ترى أنّهم سمّوا مدينة ( بعلبك ) أي بلد بعل وهو معبود الكلدانيين ، ومن إعجاز القرآن اختيار هذا اللّفظ عند ذكر كونه أوّل بيت ، فلاحظ أيضا الاسم الأوّل ، ويؤيّد ذلك قوله : رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ [ النمل : 91 ] وقوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ إبراهيم : 35 ] . وقد قيل : إنّ بكّة مشتقّ من البكّ وهو الازدحام ، ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم . وعدل عن تعريف البيت باسمه العلم بالغلبة ، وهو الكعبة ، إلى تعريفه بالموصولية بأنّه ( الّذي ببكة ) : لأنّ هذه الصّلة صارت أشهر في تعيّنه عند السامعين ، إذ ليس في مكّة يومئذ بيت للعبادة غيره ، بخلاف اسم الكعبة : فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الّذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقّبوه الكعبة اليمانية . والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها . وظاهر الآية أنّ الكعبة أوّل البيوت المبنيّة في الأرض ، فتمسّك بهذا الظّاهر مجاهد ، وقتادة ، والسّدي ، وجماعة ، فقالوا : هي أوّل بناء ، وقالوا : إنّها كانت مبنيّة من عهد آدم - عليه السلام - ثمّ درست ، فجددها إبراهيم ، قال ابن عطية : ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها ، وقد زعموا أنّها كانت تسمّى الضراح - بوزن غراب - ولكنّ المحقّقين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر ، وتأوّلوا الآية . قال عليّ - رضي اللّه عنه - : « كان قبل البيت بيوت كثيرة » ولا شكّ أنّ الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدّد في القرآن ذكر ذلك ، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها ، وإذا كان